فخر الدين الرازي
30
المطالب العالية من العلم الإلهي
ضرورة ، والتزام الضرر من غير الحاجة « 1 » ] قبيح عند العقل ، فكان حكم العقل حاصلا في هذا القسم بوجوب الترك . وأما القسم الثاني وهو أن لا يكون تركه ممكنا ، فههنا حكم العقل حاصل فيه بالجواز . لأن العقل علم أن إله العالم حكيم رحيم وأنه لا يكلف عباده فوق قدرتهم وطاقتهم ، فإذا كان ذلك الفعل مما لا يقدر العبد على الانفكاك عنه ، فلو أمره اللّه تعالى بالانفكاك عنه ، لكان قد كلفه ما لا طاقة له به وذلك قبيح عند العقل . ونحن إنما نتكلم الآن على تقدير أن يكون تحسين العقل وتقبيحه معتبرا . فيثبت : أن حكم العقل حاصل في هذا القسم أيضا . فقد ظهر بهذا البحث : أن حكم العقل حاصل في جميع أقسام الأفعال . وإذا كان العقل كافيا في معرفة اللّه تعالى وما يجب وما يجوز ، ويحرم . لم يكن في البعثة فائدة . فإن قالوا : لم لا يجوز أن يقال تحسن بعثة الأنبياء والرسل ؟ لوجوه : الأول : تأكيد ما في العقول . الثاني : إنه قد يحصل في بعض الأشياء منافع ومصالح ، لا يمكن الوقوف عليها ، بمجرد العقول ، فتحسن بعثة الأنبياء والرسل ، ليدلوا عليها ، ويعرفوا الخلق ما فيها من المنافع والمصالح . الثالث : إن عقول الخلق ناقصة قاصرة عن معرفة اللّه تعالى ومعرفة كيفية طاعاته . فكانت الحكمة في بعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام : إرشادا للخلق ، إلى معرفة ذات اللّه تعالى وصفاته ، ومعرفة كيفية طاعاته . الرابع : إنما أمر اللّه تعالى بهذه العبادات الشرعية ، لتكون [ ألطافا « 2 » ] في الواجبات العقلية . وهذا قول المعتزلة . قلنا : أما الأول : فضعيف . لأنه لما كان العقل مستقلا بمعرفة وجوه الحسن
--> ( 1 ) سقط ( ت ) . ( 2 ) سقط ( ل ) ، ( طا ) .